التبلّد العاطفي: عندما نفهم المشاعر دون أن نشعر بها
قد يمر الإنسان بموقف يفترض أن يكون مؤثرًا جدًا؛ خبر حزين، فقد شخص قريب، نجاح انتظره طويلًا، أو حتى لحظة سعيدة كان يتوقع أن يشعر فيها بفرح واضح. لكنه يجد نفسه هادئًا بشكل غير معتاد. هو يعرف أن الموقف مهم، ويفهم مشاعر الأشخاص من حوله، وربما يستطيع وصفها بدقة، لكنه لا يشعر بالاستجابة العاطفية التي يتوقعها من نفسه. هذه التجربة تُعرف في بعض السياقات باسم التبلّد العاطفي، وتشير إلى انخفاض أو تسطّح في شدة المشاعر مقارنة بما هو معتاد بالنسبة للشخص.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الإنسان لا يهتم أو أنه يفتقر إلى التعاطف. فهناك فرق بين عدم الاهتمام بالحدث وبين انخفاض القدرة على اختبار الانفعال المرتبط به. قد يظل الشخص مهتمًا بالآخرين، وقادرًا على فهم مشاعرهم والتصرف بطريقة داعمة، بينما تبدو مشاعره الشخصية أقل وضوحًا أو قوة.
ويُستخدم مفهوم التبلّد العاطفي في الأدبيات النفسية لوصف انخفاض الاستجابة لمجموعة من المشاعر، وليس الحزن فقط. فقد يشمل المشاعر الإيجابية والسلبية مثل الفرح، والحماس، والخوف، والحزن، والغضب، والارتباط العاطفي. ولهذا فإن فهم الظاهرة يحتاج إلى التمييز بينها وبين مفاهيم أخرى مثل اللامبالاة، وفقدان المتعة، والألكسيثيميا.
ما هو التبلّد العاطفي؟
يمكن وصف التبلّد العاطفي بأنه انخفاض في شدة الخبرة الانفعالية، بحيث يشعر الشخص أن مشاعره أصبحت أقل قوة أو أقل وضوحًا مما كانت عليه سابقًا.
المثير للاهتمام أن المشكلة ليست بالضرورة في فهم الحدث. فقد يدرك الشخص تمامًا أن خبرًا معينًا حزين، وأن شخصًا أمامه يتألم، وأن موقفًا آخر يستحق الفرح. لكنه لا يشعر بالاستجابة الداخلية التي يتوقعها.
على سبيل المثال، قد يسمع شخص خبرًا مؤلمًا عن أحد أقاربه. يعرف مباشرة أن الخبر سيئ، ويلاحظ حزن أفراد عائلته، وربما يشعر بالقلق على الشخص نفسه، لكنه لا يشعر بالحزن بالطريقة التي كان يتوقعها. وقد تكون أفكاره أقرب إلى: «أنا أعرف أن هذا شيء مؤلم، لكن لماذا لا أشعر به؟».
وينطبق الأمر على المشاعر الإيجابية أيضًا. فقد تحدث للشخص مناسبة كان ينتظرها منذ فترة، لكنه يجد نفسه غير قادر على الشعور بالحماس المتوقع. لا يعني ذلك بالضرورة أنه لا يريد المناسبة أو أنه غير ممتن لها؛ فقد يكون ببساطة غير قادر على اختبار الانفعال بنفس الدرجة.
وهنا تظهر نقطة أساسية: فهم المشاعر لا يساوي بالضرورة اختبارها.
يمكن للإنسان أن يعرف أن موقفًا ما مؤلم، وأن يفهم سبب الألم، دون أن تكون استجابته الشعورية قوية. وهذا الفرق بين الإدراك العاطفي والخبرة العاطفية يجعل الظاهرة أكثر تعقيدًا من مجرد وصف الشخص بأنه «بارد».
كما يجب التفريق بين التبلّد العاطفي وفقدان المتعة، أو anhedonia. فقدان المتعة يشير بصورة أكثر تحديدًا إلى انخفاض القدرة على الاستمتاع بالأشياء التي كانت ممتعة سابقًا، بينما التبلّد العاطفي قد يشمل المشاعر الإيجابية والسلبية معًا.
كذلك يختلف عن Alexithymia أو الألكسيثيميا، التي ترتبط أساسًا بصعوبة تحديد المشاعر وفهمها والتعبير عنها. قد يعرف الشخص الذي يعاني من التبلّد العاطفي ما يشعر به أو يعرف ما يفترض أن يشعر به، لكن شدة التجربة نفسها تكون منخفضة.
لماذا يحدث التبلّد العاطفي؟
لا يوجد سبب واحد يفسر التبلّد العاطفي عند جميع الأشخاص. فهو قد يظهر في سياقات نفسية مختلفة، ولذلك لا يمكن اعتباره تشخيصًا مستقلًا بمجرد وجوده.
من السياقات التي دُرست فيها هذه الظاهرة اضطراب ما بعد الصدمة، حيث يمكن أن تتغير طريقة معالجة الشخص للمعلومات والانفعالات المرتبطة بالأحداث المجهدة. وقد ارتبط انخفاض الاستجابة العاطفية في بعض الدراسات بأعراض مرتبطة بالصدمة وتجنب الخبرات الانفعالية.
في بعض الحالات، قد يكون انخفاض المشاعر مرتبطًا بطريقة تعامل الإنسان مع الضغط النفسي. عندما يتعرض الشخص لضغط شديد أو مستمر، قد تتغير الطريقة التي ينتبه بها للمشاعر ويقيّمها وينظمها. ولذلك يهتم الباحثون بدراسة العلاقة بين التوتر، وتنظيم الانفعال، والتجنب، والتبلّد.
وهناك أيضًا ارتباط محتمل بين التبلّد وبعض أشكال الانفصال النفسي (dissociation). فالانفصال قد يتضمن أحيانًا الشعور بالبعد عن الذات أو البيئة أو انخفاض الإحساس بالمشاعر. لكن من المهم عدم مساواة المفهومين؛ فليس كل شخص يعاني من التبلّد العاطفي يعاني من dissociation، وليس كل تجربة انفصال تتضمن تبلّدًا عاطفيًا.
كما يمكن أن يظهر انخفاض الاستجابة العاطفية ضمن بعض الاضطرابات النفسية، ومنها الاكتئاب. لذلك فإن وجود هذا العرض وحده لا يسمح بتحديد السبب.
وهنا تظهر مشكلة التشخيص الذاتي. إذا شعر شخص بأنه لا يتفاعل عاطفيًا كما كان يفعل سابقًا، فهذا لا يعني تلقائيًا أنه مصاب باضطراب نفسي. يجب النظر إلى مدة التجربة، وشدتها، والأعراض المصاحبة لها، وتأثيرها على الدراسة أو العمل والعلاقات والحياة اليومية.
ومن منظور علم الأعصاب، لا توجد «منطقة واحدة» في الدماغ مسؤولة عن الشعور. فالخبرة العاطفية تنتج عن تفاعل عدد من المناطق والشبكات العصبية، من بينها اللوزة الدماغية، والقشرة الجبهية، والقشرة الجزيرية، إضافة إلى أنظمة مرتبطة بالاستجابة الفسيولوجية والانتباه والذاكرة.
لذلك فإن السؤال العلمي الأكثر أهمية ليس فقط: «لماذا لا يشعر الشخص؟»، بل: أي جزء من عملية الاستجابة العاطفية تغير؟
هل تغير تقييم الحدث؟ أم الانتباه إليه؟ أم الاستجابة الجسدية؟ أم الوعي بالشعور؟ أم القدرة على تنظيم الانفعال؟
هذه الأسئلة تجعل دراسة التبلّد العاطفي مرتبطة بمجالات متعددة مثل علم النفس، وعلم الأعصاب، والطب النفسي.
هل يعني التبلّد العاطفي غياب التعاطف؟
من أكثر الأفكار الخاطئة شيوعًا افتراض أن الشخص الذي لا يشعر بمشاعره بقوة لا يستطيع التعاطف مع الآخرين.
التعاطف في حد ذاته عملية معقدة. فهو لا يتكون من عنصر واحد، بل يتضمن جوانب معرفية وانفعالية. الجانب المعرفي يسمح للشخص بفهم ما يشعر به شخص آخر، بينما يتعلق الجانب العاطفي بدرجة المشاركة أو الاستجابة الشعورية تجاه حالته.
لهذا يمكن لشخص أن يفهم حزن صديقه جيدًا، ويعرف سبب حزنه، ويرغب في مساعدته، حتى إذا لم يشعر بالحزن نفسه داخليًا.
وهذا يفسر تجربة تبدو متناقضة بالنسبة لبعض الأشخاص: «أنا أعرف أنه متألم، وأعرف أن ما حدث له مؤلم، وأريد مساعدته، لكنني لا أشعر بما أشعر أنني يجب أن أشعر به».
هذه التجربة لا تعني بالضرورة أن التعاطف غير موجود.
كما أن التعبير الخارجي عن المشاعر لا يمثل دائمًا شدة الشعور الداخلي. بعض الأشخاص يبكون بسهولة، وبعضهم لا يبكي حتى عندما يكون متأثرًا جدًا. لذلك فإن غياب التعبير الظاهر لا يكفي للحكم على وجود المشاعر أو غيابها.
المشكلة قد تبدأ عندما يتحول اختلاف الاستجابة إلى مصدر مستمر للقلق أو الشعور بالذنب.
قد يبدأ الشخص في مراقبة نفسه أثناء الأحداث المهمة:
«هل أشعر بالحزن بما يكفي؟»
«لماذا لم أبكِ؟»
«هل أنا شخص سيئ؟»
«هل هذا يعني أنني لا أحبهم؟»
لكن الاستجابة العاطفية ليست اختبارًا أخلاقيًا.
عدم البكاء لا يثبت غياب الحزن، وعدم الشعور بالحماس في لحظة معينة لا يثبت أن الحدث غير مهم، كما أن التعبير العاطفي القوي لا يعني دائمًا أن الشخص أكثر اهتمامًا من غيره.
مع ذلك، إذا أصبح انخفاض المشاعر مستمرًا، أو أثر في العلاقات، أو ترافق مع فقدان الاهتمام بالأشياء التي كانت ممتعة، أو تغيرات واضحة في المزاج، أو الشعور بالانفصال عن الذات أو الواقع، فمن المهم الحصول على تقييم متخصص بدل محاولة تفسير التجربة بشكل منفرد.
كيف يمكن فهم التبلّد العاطفي؟
أفضل طريقة لفهم التبلّد العاطفي ليست اعتباره صفة ثابتة في شخصية الإنسان، بل النظر إلى التغير الذي يحدث في تجربته العاطفية.
السؤال الأول المهم هو: متى بدأ؟
هل كان الشخص دائمًا أقل تعبيرًا عن مشاعره، أم أن هذا التغير ظهر بعد فترة معينة؟
ثم يمكن النظر إلى طبيعة المشاعر التي تأثرت.
هل انخفضت المشاعر السلبية فقط؟ أم الإيجابية والسلبية معًا؟
هل يستطيع الشخص الشعور بالحماس أو الفرح في بعض المواقف؟
هل يستطيع الشعور بالحزن عندما يكون الموقف شديد التأثير؟
وهل ما زال يستمتع بالأشياء التي كان يستمتع بها سابقًا؟
هذه الأسئلة تساعد على فهم التجربة بصورة أدق من استخدام وصف عام مثل «أنا بلا مشاعر».
كما أن السياق مهم جدًا. قد يلاحظ بعض الأشخاص التبلّد خلال فترات الضغط الشديد فقط، بينما يستمر لدى آخرين لفترة أطول. وقد يرتبط عند بعض الأشخاص بأعراض نفسية أخرى.
ومن الناحية السريرية، لا ينبغي التعامل معه منفصلًا عن بقية الصورة. الطبيب أو المختص النفسي لا يبحث عن وجود عرض واحد فقط، بل يحاول فهم التاريخ الكامل للأعراض، والظروف التي ظهرت فيها، ومدى تأثيرها على حياة الشخص.
أما من ناحية البحث العلمي، فالتبلّد العاطفي يفتح سؤالًا أوسع حول طبيعة المشاعر البشرية نفسها.
إذا كان الإنسان قادرًا على فهم معنى حدث معين دون أن يشعر باستجابة عاطفية قوية، فهذا يعني أن «الشعور» ليس عملية بسيطة تحدث دفعة واحدة.
فالحدث يحتاج إلى أن يتم إدراكه، ثم تقييمه، والانتباه إليه، وربطه بالذاكرة والمعنى الشخصي، ثم تنتج عنه استجابات نفسية وجسدية متعددة.
وقد لا تتغير جميع هذه المكونات بالطريقة نفسها.
وهنا تكمن أهمية دراسة التبلّد العاطفي: فهو يسمح للباحثين بالنظر إلى العلاقة بين الإدراك والانفعال والجسد والدماغ بدل التعامل مع المشاعر باعتبارها ظاهرة واحدة غير قابلة للتجزئة.
في النهاية، انخفاض المشاعر لا يعني أن الإنسان فقد إنسانيته، ولا يعني تلقائيًا أنه لا يهتم بالآخرين. كما أنه لا يعني بالضرورة وجود اضطراب نفسي. إنه تجربة يمكن أن تحدث في سياقات مختلفة، وتختلف شدتها ومدتها وأسبابها من شخص إلى آخر.
والسؤال الأكثر فائدة ليس:
«لماذا لا أشعر مثل الآخرين؟»
بل:
«ماذا يحدث في عملية الإحساس عندما أفهم أن موقفًا ما مؤثر، لكنني لا أختبر الاستجابة العاطفية المتوقعة؟»
هذا السؤال هو الذي يحول الظاهرة من تجربة شخصية مربكة إلى موضوع قابل للدراسة العلمية.
المصادر
1. Emotional Blunting in Patients With Major Depressive Disorder: A Brief Non-systematic Review of Current Research. يناقش مفهوم التبلّد العاطفي وتمييزه عن فقدان المتعة واللامبالاة.
2. Emotional Processing in Individuals with Substance Use Disorder and Posttraumatic Stress Disorder. يناقش معالجة الانفعالات وعلاقتها بالتبلّد واضطراب ما بعد الصدمة.
3. مراجعات علمية حول معالجة الانفعالات والدوائر العصبية المرتبطة بها، بما في ذلك اللوزة الدماغية والقشرة الجبهية والمناطق الجزيرية.
⭐ قيّم هذا المقال
التقييم النهائي
★★★★★★★★★★
0.0/5
— 0 صوت
صفتك في التقييم:
📩 اكتب كود طلاب هوسبيتال ليُحتسب صوتك ضمن فئة طلاب هوسبيتال.

